قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
« 1 »
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ . قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ . قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
. « 2 »
مواضع عبر أغفلتها التوراة
جاءت القصّة في التوراة كسائر الأحداث التاريخية القديمة مشوّهة في خضمّ من خرافات بائدة ومن غير أن تتأكّد على مواضع العبر منها ، بل وأغفلتها في الأكثر . أمّا القرآن فبما أنّه كتاب هداية وعبر نراه يقتطف من أحداث التاريخ عبرها ويجتني من شجرة حياة الإنسان السالفة يانع ثمرها ، فليتمتّع الإنسان بها في حياته الحاضرة في شعف وهناء .
وقد أغفلت التوراة جانب زوجة نوح وابنه اللذين شملهما العذاب بسوء اختيارهما . إنّها عبرة كبرى ، كيف يغفل الإنسان أوفر إمكانيّات الهداية والصلاح ، وينجرف بسوء اختياره مع تيّار الضلالة والفساد ، وفي النهاية الدمار والهلاك ! ! ذكر السيّد ابن طاوس : أنّه كان لنوح زوجان إحداهما وفيّة وأخرى غبيّة ، فركبت الصالحة مع أبنائها السفينة ، وهلكت الأخرى الطالحة مع الآثمين . « 3 » قال اللّه تعالى عنها وعن زوج لوط :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
. « 4 »
هامش
( 1 ) قال أبو مسلم الأصبهاني : الجودي كلّ جبل وأرض صلبة .
( 2 ) هود 11 : 40 - 48 .
( 3 ) راجع : سعد السعود لابن طاوس ، ص 239 ؛ وبحار الأنوار ، ج 11 ، 342 .
( 4 ) التحريم 66 : 10 .