بعشر سنين فقد كانت عند قدومها مصر قد ناهزت الست والستين وهو سنّ العجائز ! « 1 »
إبراهيم ، لم يكذب قطّ !
جاء في أحاديث العامّة برواية أبي هريرة - وهي أشبه بالإسرائيليات - أنّ إبراهيم عليه السّلام كذب ثلاث كذبات : ثنتين في ذات اللّه : قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
« 2 » وقوله :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
. « 3 » والثالثة بشأن سارة : أنها أخته . « 4 » وفي حديث الشفاعة برواية أبي هريرة أيضا : أنّ أهل الموقف يأتون الأنبياء واحدا بعد واحد يستشفعون منهم ، حتّى يأتوا إبراهيم فيأبى معتذرا : إنّي كذبت ثلاث كذبات ولست هناكم . « 5 » وقد وصفت لجنة مشايخ الأزهر هذه الروايات بالصحاح ، وعارضت الأستاذ عبد الوهاب النجّار استنكاره لهذه المفتريات . « 6 » قلت : وحاشا إبراهيم الخليل - الداعي إلى الحنيفية البيضاء - أن ينطق بكذب ، وإنّما كذب عليه بلا ريب . والرواية عامّية الإسناد لا اعتداد بها في هكذا مجالات .
ولقد أجاد الإمام الرازي حيث قال : فلأن يضاف الكذب إلى رواة هذا الخبر أولى من أن يضاف إلى الأنبياء ، وأخذ في تأويل الموارد الثلاثة ، وأضاف قائلا : وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلّا زنديق . « 7 » أمّا قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
فلعلّه أراد وهن حالته الجسدية ممّا كان يرى قومه على عمه الغباء ، وقد أحسّ ألما شديدا انتاب قلبه المرهف تجاه تلكم الجهالات العارمة .
وأمّا قوله
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
فقولة قالها مستهزئا بهم
هامش
( 1 ) المصدر : 17 / 17 .
( 2 ) الصافّات 37 : 89 .
( 3 ) الأنبياء 21 : 63 .
( 4 ) صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 171 وج 7 ، ص 7 ؛ وصحيح مسلم ، ج 7 ، ص 98 ؛ ومسند أحمد ، ج 2 ، ص 403 - 404 .
( 5 ) جامع الترمذي ، ج 4 ، ص 623 وج 5 ، ص 321 .
( 6 ) راجع : هامش قصص الأنبياء للنجّار ، ص 86 .
( 7 ) التفسير الكبير ، ج 22 ، ص 185 وج 26 ، ص 148 .