ومنه قوله تعالى :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
. « 1 » وفي موضع :
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
. « 2 » والجانّ الصغير من الحيّات ، كان ذلك في ابتداء بعثته عليه السّلام والثعبان الكبير منها ، وكان ذلك لمّا ألقى عصاه تجاه فرعون وقومه ، فاختلف الأحوال .
السبب الثاني : لاختلاف الموضوع ، كقوله تعالى :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
، « 3 » وقوله :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
. « 4 » مع قوله :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
. « 5 » قال الحليمي : فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل ، والآية الأخيرة على ما يستلزم الإقرار بالنبوّات من شرايع الدين وفروعه . وحمله غيره على اختلاف الأماكن ( أي المواقف على ما أوضحناه ) فموضع يسأل ويناقش . وموضع آخر يرحم ويلطف . وموضع يعنف ويوبّخ ، وموضع لا يعنف . . .
الثالث : لاختلافهما في جهتي الفعل ، كقوله تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
. « 6 » أضيف القتل إليهم على جهة المباشرة ، ونفاه عنهم باعتبار التأثير . ولهذا قالوا : إنّ الأفعال مخلوقة للّه تعالى وإن كانت منتسبة إلى الآدميّين على جهة الإرادة والاختيار . فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى .
وكذا قوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 7 » أي ما رميت تأثيرا إذ رميت مباشرة .
الرابع : لاختلافهما في الحقيقة والمجاز ، كقوله :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
« 8 » أي سكارى من الأهوال مجازا ، لا من الشراب حقيقة . وقوله :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
. « 9 » فقد وافته المنيّة فكان كالأموات وإن لم يمت حقيقة .
هامش
( 1 ) الشعراء 26 : 32 .
( 2 ) القصص 28 : 31 .
( 3 ) الصافّات 37 : 24 .
( 4 ) الأعراف 7 : 6 .
( 5 ) الرحمن 55 : 39 .
( 6 ) الأنفال 8 : 17 .
( 7 ) الأنفال 8 : 17 .
( 8 ) الحجّ 22 : 2 .
( 9 ) إبراهيم 14 : 17 .