وهكذا علّمه الأسماء : القدرة على معرفة الأشياء بذواتها وخاصّيّاتها وآثارها الطبيعية العاملة في تطوير الحياة ، والتي وقعت رهن إرادة الإنسان ليسخّرها في مآربه حيث يشاء ، وبذلك يتقدّم العلم بحشده وجموعه في سبيل عمارة الأرض وازدهار معالمها ، حيث أراده اللّه من هذا الإنسان
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
. « 1 » وبذلك أصبح هذا الإنسان - بهذه الميزات - خليفة اللّه في الأرض ، « 2 » حيث يتصرّف فيها وفق إرادته وطاقاته المودعة فيه ، ويعمل في عمارة الأرض وتطوير الحياة .
وإسجاد الملائكة له في عرصة الوجود ، كناية عن إخضاع القوى النورانية برمّتها للإنسان ، تعمل وفق إرادته الخاصّة من غير ما تخلّف ، في مقابلة القوى الظلمانية ( إبليس وجنوده ) تعمل في معاكسة مصالحه إلّا من عصمه اللّه من شرور الشياطين
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا
. « 3 » كما وأنّ تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعا ، « 4 » كناية عن إخضاع القوى الطبيعية المودعة في أجواء السماوات والأرض - لهذا الإنسان ، تعمل فور إرادته بلا فتور ولا قصور . ومعنى تسخيرها له : أنّ الإنسان فطر على إمكان تسخيرها .
فسبحانه من خالق عظيم ، إذ خلق خلقا بهذه العظمة والاقتدار الفائق على كلّ مخلوق ! هذه دراستنا عن الإنسان على صفحات مشرقة من القرآن الكريم ، فيا ترى أين يوجد مثل هذه العظمة والتبجيل لمخلوق هو في هندامه صغير وفي طاقاته كبير ، كبرياء ملأ الآفاق !
أتزعم أنك جسم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
فتبارك اللّه أحسن الخالقين بخلقه أحسن المخلوقين !
هامش
( 1 ) هود 11 : 61 .
( 2 ) راجع : البقرة 2 : 30 .
( 3 ) الإسراء 17 : 65 .
( 4 ) راجع : الجاثية 45 : 13 .