تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
هذا الإحياء وهذا التهذيب ، هما اللذان جاء بهما المسيح وجاهد لهما حتى مكرت يهود به عليه السلام « 1 » . ومنها ( ثانيا ) أن اللّه تعالى جعله يكلم الناس في المهد وكهلا : فأما المهد فهو حجر الأم أو مضجع الصبي وقت الرضاع ، والمراد أن المسيح عليه السلام يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد ، وأما الكهل في اللغة فهو ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب : اكتهل النبات إذا قوي « 2 » ، والمراد أن المسيح يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حالة الطفولة وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ، ويستنبأ فيها الأنبياء ، وأما كلامه في المهد « 3 » ، فدلالة على براءة أمه مما قذفه بها المفترون ، وحجة على نبوته ، قال ابن عباس : كان كلامه في
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن 1 / 399 . ( 2 ) نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثا وثلاثين وستة أشهر ، وعلى هذا فهو ما بلغ الكهولة ، والجواب من وجهين ، الأول : أن الكهل في أصل اللغة هو الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين ، فصح وصفه بكونه كهلا في هذا الوقت ، والثاني هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله : « كهلا » أن يكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض ، ومن ثم فقد ذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما أنه عليه السلام رفع إلى السماء ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وأنه سينزل إلى الأرض ويبقى حيّا فيها أربعا وعشرين سنة ، كما رواه ابن جرير بسند صحيح عن كعب الأحبار ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : قد كلمهم عيسى في المهد ، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل ( تفسير الفخر الرازي 8 / 52 ، تفسير روح المعاني 3 / 164 ، تفسير الطبري 3 / 272 - 273 ، تفسير القرطبي ص 1332 - 1334 ، تفسير المنار 3 / 252 - 255 ) . ( 3 ) روى ابن إسحاق عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما تكلم أحد في صغره إلا عيسى وصاحب جريح » ، وفي رواية أخرى قال صلى اللّه عليه وسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاث : عيسى وصبي كان في زمن جريح وصبي آخر » ( تفسير ابن كثير 1 / 545 ) .