تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات تاريخية من القرآن الكريم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
تكون حقيقة وقعت ، وقد تكون أسطورة وضعت ، فإنه لا يعلم الحقيقة إلا اللّه ، ومع ذلك ، فلو صدقنا جدلا أنها قد حدثت فعلا ، فهي إنما تمثل احتجاج رجل - أو جماعة من العرب - على سياسة أبرهة نحو الكعبة ، ورغبته في صرف حاج العرب عنها ، ولكنها لن تكون سببا كافيا لقيام حملة تضم آلافا مؤلفة من جنود الحبشة ، فضلا عن الذين اشتركوا فيها من قبائل اليمن ، وبقيادة أبرهة نفسه . وهو الذي يملك الكثير من الوسائل الأخرى لتأديب هذا الرجل ، أو تلك الجماعة ، على تدنيسهم لكنيسته . وأما رواية السيوطي ، فظاهرها المنطق ، وباطنها كثير من الخيال ، فأكسوم بن الصباح - حفيد أبرهة - رجل نصراني ، وما كانت النصارى تحج إلى مكة ، وما كان حفيد أبرهة بالذات هو الذي يحج إلى كعبة قريش ، لأنها كانت محجة الوثنيين وقت ذاك ، ولأن جده أبرهة هو الذي كان يعمل جاهدا على صرف العرب عنها وتحويلهم إلى القليس ، وليس من المنطق ، فضلا عن حقائق التاريخ ، إن يكون أول الخارجين على سياسة أبرهة ، حفيده يكسوم هذا ، وإلا لما غضب أبرهة من أجل سرقة قناعة ، فضلا عن حلى كنيسة نجران ، ثم إن السيوطي إنما يخالف الإجماع فيما ذهب اليه من أن الذي كان على رأس الجيش ، إنما هو « شهر بن معقود » وليس أبرهة نفسه ، كما أنه يسبغ على قائد الحملة لقب « ملك » ، وقد كان ذلك لقب أبرهة ، ولم يكن « شهر » هذا ممن يحملون هذا اللقب الرفيع « 1 » . وأما رواية القرطبي ، فالجديد فيها أن سبب الحملة ، إنما كان أحراق بيعة ، وليس تدنيس القليس ، وأنها في الحبشة ، وليست في اليمن ، وأن الذي أمر بها إنما كان النجاشي ، وليس أبرهة ، الذي لم يتجاوز دوره فيها
هامش
( 1 ) جواد علي 3 / 511