ج - شق السمع والبصر :
من المشاهد التي تبهر العقول : تخلّق السمع والبصر ، فهما ينشئان بطريقة غير مألوفة للبشر ، ولا يمكن لأحد أن يتصور نشأتهما إلا إذا شاهدهما .
ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو ويقول في سجوده : « سجد وجهي للذي فطره وصوّره وشقّ سمعه وبصره » [ أخرجه مسلم ح 38 ] فكان ذلك بمثابة إعجاز إخباري .
فهناك ثلاث عمليات أساسية في تاريخ تخلّق الأعين والآذان :
* عملية تخلّق من خلال انفصال عضو عن عضو آخر واستخراجه منه .
* عملية تخلّق من خلال ظهور أخدود .
* عملية انفطار وانشقاق أغشية .
الفعل الجامع لتلك الأنواع المختلفة من التخلّق هو فعل « شقّ » .
والمعنى الأول هو : أخذ الشيء من الشيء الآخر .
ورد في لسان العرب « 1 » : « واشتقاق الشيء بنيانه من المرتجل ، واشتقاق الكلام الأخذ فيه يمينا وشمالا ، واشتقاق الحرف من الحرف أخذه منه » .
ويؤيد هذا المعنى الحديث التالي : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قال اللّه - تبارك وتعالى - : أنا اللّه وأنا الرحمن ، خلقت الرّحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » [ أخرجه الترمذي ح 39 ] . جاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي « 2 » : « ( وشققت ) : أي أخرجت وأخذت اسما ، ( لها ) : أي للرحم ، ( من اسمي ) : أي الرحمن » .
وجاء أيضا في تفسير القرطبي « 3 » للآية :
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
[ الانشقاق : 1 ] « أن سيدنا عليا - كرم اللّه وجهه - قال : تشق عن المجرة » ، أي تنفصل عنها بعد أن كانتا جزءا واحدا .
وهذا المعنى الأول لفعل « شق » .
أما المعنى الثاني فهو : الصدع .
هامش
( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « شقق » - ( ج 7 / ص 167 ) .
( 2 ) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري - كتاب البر والصلة - باب ما جاء في قطيعة الرحم - رقم الحديث 1907 - ( ج 6 / ص 14 ) .
( 3 ) تفسير القرطبي - ( ج 19 / ص 269 ) .