خضوعا لروح معلّمهم الأكبر ، يشدّدون على التعلّق باللّه والاعتراف بفضله وشكره عليه . ولكن عدم وجود قاعدة محدّدة لإرشاد العامّة تركهم مع مرور الزمن يبتعدون ابتعادا كاملا عن هدى معلّمهم ، كما جعلهم يضلّون الطريق فيما يختصّ بجميع قيم الصلوات .
ومن ثمّ تولّد من ذلك الخضوع إلى الكهّان ، فاحتكر هؤلاء في أيديهم وظيفة تحديد عدد الصلوات وطول الأدعية وكلماتها . ومن هنا نتجت تلك العبادات الميكانيكية للرهبان الفاقدة للروح . كما تولّد ذلك الزحف العارم إلى الكنائس والأديرة في يوم واحد من الأسبوع بغية المزيد من الغذاء الروحي ، ولكن من غير جدوى .
كلّ هذه المساوئ والمفاسد العبادية قد تراكمت بعضها فوق بعض في مطلع القرن السابع للميلاد ، حين أخذ نبيّ شبه الجزيرة العربية يدعو قومه ويبشّر بدين معدّل جديد .
وقد سنّ نبيّ الإسلام الأدعية وفرض على أتباعه الصلوات بصورة نزيهة وطاهرة ومصفّية للنفوس ، وبذلك نراه قد اعترف بذلك الشوق الروحي في الانسان لكي يفيض حبّها المتدفّق وتعبّر عن امتنانه للّه بأجلى الكلمات وأحلى التعابير .
وبجعل الإسلام الممارسة الدينية لدى المسلمين ذات فترات محدّدة نجده قد عمّق تأثير الطبيعة النظامية فيهم . وترك للمتعبّد أوسع مجال لأن يفيض عواطفه وأحاسيسه العميقة ، ويظهر ذلّه وخضوعه أمام الوجود الكامل والمؤثر الأول في الخليقة .
وقد جعل من الصلاة قيمتها كوسيلة للسموّ الأخلاقي وسبيلا سويّا لتطهير القلب البشري من أدرانه . وقد حظيت بتقدير كبير وحفاوة في القرآن الكريم :
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 271
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٢٧١