التي تفعم القلب البشري ، وما كلّ هذه العواطف والأحاسيس إلّا نتيجة لسموّ أعلى . ولهذا نرى أنّ كلّ دين فيه بعض العناصر العضوية قد عرف - بشكل أو آخر - أهمّية الصلاة والدعاء وفعاليتهما . ويطغى العنصر اللاهوتي الغيبي على العنصر المادّي في أكثر الديانات .
فالعبادة القديمة عند الهندوس مثلا كانت مؤلّفة من مجموعتين من الأفعال :
الطهارة والقرابين ، ترافقهما مجموعة معقّدة من الأدعية والاستثارات .
أمّا الزرادشتي فكان يعيش في جوّ من الأدعية الكثيرة . فالزرادشتي الورع يكون يصلّي عندما يعطس أو يقلّم أظفاره أو يقصّ شعره ، وهو يتعبّد عندما يعدّ وجبات طعامه سواء في الليل أو في النهار . وعند إشعال الفوانيس . . . الخ « 1 » .
وجاءت شريعة موسى ، فكانت خلوا من كلّ حدود تتعلّق بموضوع الأدعية والصلوات . أمّا واجبات الشريعة ونواهيها فهي تخصّ ضرورة دفع الأعشار إلى الكهّان . وضرورة الرزانة والوقار أثناء تقديم نتاج الحيوان الأول للإله ( أي في أول عجل تلده البقرة وأول جدي من نتاج الشاة وغيرها ) . وكانت لتلك الحفلة دعاء خاصّ يتضمّن الاعتراف بمتطلّبات الناموس . وكانت التقاليد والأعراف - لعدم وجود أيّة تعليمات عن ذلك في الناموس - هي التي جعلت اليهود متأخّرا قوم صلاة ودعاء ، ومن ثمّ كانت مجرّد تلفظ بعبارات فارغة لا روح فيها ولا خشوع . وكان بيع بركة اللّه والمتاجرة بغفرانه على أيدي الكهّان متعارفا بين اليهود ، والقرآن الكريم يوبّخ اليهود توبيخا شديدا لأنهم كانوا يبيعون آيات اللّه « 2 » .
وجاء المسيح عليه السّلام فكانت تعاليمه تمثّل طورا أحدث وتطوّرا في الغريزة الدينية عند الإنسان ، ولذلك قدّرت طبيعة الدعاء واعترفت بالصلاة اعترافا كاملا .
وقد كرّس جهوده على ذلك بأن جعل نفسه المثال الأول ، وكان تلاميذه الأولون
هامش
( 1 ) روح الإسلام للسيّد مير علي الهندي : ص 188 .
( 2 ) راجع : الآية 41 و 79 من سورة البقرة ، والآية : 77 و 199 من سورة آل عمران ، والتوبة :
9 ، والنحل : 95 ، وغيرها .