ميادينه مداهم .
انظر إلى العليم الحكيم كيف حذا ثلاث الآيات على عدد المسلّيات ، من إجلال محلّ رسول اللّه وإعلاء كعبه ، وإعطائه أقصى ما يؤمّله عند ربّه « 1 » ، ومن الإيعاز إليه أن يقبل على شأنه من أداء العبادة بالإخلاص « 2 » ، وأن لا يحفل بما ورد عليه من ناحية العاص ، ولا يحيد عن التفويض إليه محيدا ، فلا يذره وائبا وحيدا ، ومن الغضب له بما فيه مسلاته من الكرب ، من إلصاق عار البتر بالكلب « 3 » ، والإشعار بأن كان عدوّ اللّه بورا ، ولم يكن إلّا هو صنبورا « 4 » .
ثمّ انظر كيف نظّمت النظم الأنيق ، ورتّبت الترتيب الرشيق ، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها ، وما يقطع الشبهة ويقلعها ، ثمّ لما يجب أن يكون عنه مسبّبا ، وعليه مترتّبا ، ثمّ ما هو تتمّة الغرض من وقوع العدوّ في مغوّاته « 5 » التي حفر ، وصليه بحرّ ناره التي سعر ، ومن الشهادة على إلصاقه بالسليم عيبه ، وتوريكه على البري ذنبه « 6 » .
وتأمّل كيف أنّ من اسند إليه إسداء هذه العطيّة ، وإيتاء هذه الموهبة السنيّة ، هو ملك السماوات والأرض ، ومالك البسط والقبض ، وكيف وسّع العطيّة وكثّرها ، وأسبغها ووفّرها ، فدلّ بذلك على عظم طرفي المعطى ، وعلى جلال جنبي المسدي والمسدى ، وقد علم أنّه إذا كان المعطي كبيرا ، [ كان ] العطاء كثيرا ، فيا لها من نعمة مدلول على كمالها ، مشهود بجلالها .
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى :إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى :فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ.
( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى :إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ( 4 ) أي أبتر لا عقب له .
( 5 ) مغواة : حفرة كالزبية تحفر للذئب ، ويجعل فيها جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده ، ومنه قيل لكلّ مهلكة مغواة .
( 6 ) ورك عليه ذنبه : حمله عليه .