ذلك أنّ الشعر كلام ذو وزن وقريّ « 1 » ، وقافية ورويّ ، أكثره تمويهات وتخاييل ، وأكاذيب وأباطيل ، ومن ثمّ سمّوه سحرا ، وزعموا أن لكل شاعر جنّيّا ، وأنّه معه رئيّا ، وأنّ ذلك الجنّي يخطره بجنانه ، ويلقّنه إيّاه ويلقيه على لسانه .
والخطب والرسائل لا يمسّ طنب القريض أطنابها ، ولا تقرع يده أبوابها ، والسورة أبعد شوطا منها في التميّز ، وأعلى فوقا في المباينة والتحيّز ، بديباجتها الخاصّة وذوقها ، وندائها على أن لا منظوم بطوقها ، وعلى أنّها ليست من القريحة ، المعتصر لها ثرى السجيحة « 2 » ، المستعان فيه بالرويّة والفكر ، المستملى من لسان الزّكن « 3 » والحجر « 4 » ، وأنّ مثلها معه مثل الحيوان الذي هو تسوية اللّه وتقديره ، مع التماثيل التي هي نقش المصوّر وتصويره ، عليها ضياء الجلالة الربّانية ، وسيمياء « 5 » الكتب السماوية ، وابّهة المسطور في اللّوح المنزل في اللّوح « 6 » ، وآئين « 7 »
هامش
القمر » وذكر قصته ، وقال : وبعضهم يرويه « أريها السّها وتريني القمر » ، يضرب لمن يغالط فيما لا يخفى .
( 1 ) قال الزمخشري وغيره : أقراء الشعر : قوافيه التي يختم بها ، كأقراء الطهر التي ينقطع عندها ، الواحد قرء ، وقرء ، وقريّ ، لأنّها مقاطع الأبيات وحدودها .
( 2 ) السجيحة : الطبيعة .
( 3 ) الزكن والإزكان : الفطنة والحدس الصادق .
( 4 ) الحجر : العقل واللب ، لإمساكه ومنعه وإحاطته بالتمييز ، وفي التنزيل :هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ( الفجر : 5 ) .
( 5 ) السومة والسيمة والسيماء والسيمياء : العلامة .
( 6 ) اللّوح الأول - بالفتح - : هو اللّوح المحفوظ ، والثاني - بالضم - : الهواء . « لسان العرب - لوح - 2 : 585 »
( 7 ) آئين : كلمة فارسية بمعنى الزينة ، استعملها الجاحظ في البخلاء في قصة محمّد بن أبي المؤمل فيما حكاه عن لسانه : وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنّما هو شيء من آئين الموائد الرفيعة .
وفي تاريخ العتبي عند شرح هذا البيت في رثاء الصاحب بن عباد :لم يبق للجود رسم منذ بنت ولا * للسؤدد اسم ولا للمجد آئين