ويتعادون من له في ميدان البلاغة الخطى الفسحى ، ويتذاكرون الكلمات التي تزيغ فيها الحاضرة « 1 » عن السنن ، ولا ينقحونها من العجر « 2 » والابن « 3 » ، كأنّ أفواههم للحكمة ينابيع ، وهم على ذلك مطابيع .
هذا ، ولمّا سمعت العرب القرآن المجيد ملأت الروعة قلوبهم وملكت نفوسهم ، وهزّ الاستعجاب مناكبهم ، وأنغض رؤوسهم ، وبقي أذلقهم لسانا ، وأعرقهم بيانا ، كالمحجوج إذا أبكتته الحجّة ، فأخذته الرجّة ، وكالياسر إذا أصبح مقمورا مقهورا ، فقعد مبهوتا مبهورا ، وكالصريع إذا عنّ له من لا يبالي بصراعه ، وكالمرتبع « 4 » إذا غلبه من لا يلتفت إلى ارتباعه ، ولقد قابلوه بأفصح كلامهم ، فقال منصفوهم : جرى الوادي فطمّ على القريّ « 5 » ، ومن يعبأ بالعباء مع الوشيّ العبقري « 6 » .
وقال الوليد بن المغيرة المخزوميّ « 7 » : واللّه لقد نظرت فيما قال هذا الرجل ،
هامش
( 1 ) أي أهل الحضر لأنّهم مظنّة اللحن .
( 2 ) العجر : جمع عجرة ، وهي العقدة في عود وغيره ، ويقال : في كلامه عجرفية وتعجرف أي جفوة .
( 3 ) الابن : العقد تكون التي في القسي تفسدها وتعاب بها .
( 4 ) ربع الحجر وارتباعه إشالته ورفعه لإظهار القوة .
( 5 ) مثل سائر ، معناه : جرى سيل الوادي فطمّ أي : دفن ، يقال : طمّ السيل الركية أي : دفنها ، والقريّ :
مجرى الماء في الروضة ، والجمع أقرية وقريان و « على » من صلة المعنى أي : أتى على القريّ ، يعني أهلكه بأن دفنه ، انظر « مجمع الأمثال 1 : 159 / 823 » .
( 6 ) الوشيّ : من الثياب معروف . والعبقريّ : الديباج .
( 7 ) الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم ، أبو عبد شمس ، من قضاة العرب في الجاهلية ، ومن زعماء قريش ، ومن زنادقتها ، أدرك الإسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته ، ذكره ابن الأثير في الكامل تحت عنوان : ذكر المستهزئين ومن كان أشدّ الأذى للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، وهو والد خالد بن الوليد ، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة ، ودفن بالحجون ، انظر « الكامل في التاريخ 2 : 71 ، الأعلام 8 : 122 » .