لفرسي مجالا ، ولأصبت فيه وجها من الاحتجاج ، وردّا للشغب واللجاج ، فإنّ هذه الأشياء لا تجمل ولا تجزل ، ولا تنبل ولا تفحل ، ولا تحسن ولا تبهى ، ولا تختال ولا تزهى ، إلّا واقعة في هذا اللسان ، دائرة بين أظهر هذا البيان ، ومثل ذلك مثل الوشي الفاخر ، والحليّ من سريّ الجواهر ، تلبسها الحسناء فتزيدها حسنا إلى حسن ، وتعطيها زينا إلى زين ، فإن نقلتها إلى الشوهاء تخاذل أمرها وتضادّ ، وتناقض وترادّ ، وعصف بنصف حسنها وزينها ، ما تطلعه الشوهاء من قبحها وشينها ، وكفاك بما عددت عليك أدلّة متقبّلة ، وشهودا معدلة ، على أنّ هذا اللسان هو الفائز بالفصل ، الحائز للخصل « 1 » ، وأنّ ما عداه شبه « 2 » إلى العسجد ، وشبّ « 3 » إلى زبرجد .
ثمّ اسمع بفضلك ، فقد آن أن أفذلك « 4 » ، وأختم هذا الفصل بما يحلق الحلاقم « 5 » ويجزّ الغلاصم « 6 » ، وهو أنّ اللّه تعالى ادّخر لمحمد عليه صلاته وسلامه كل فضيلة ، وزوى عنه كل رذيلة ، واختصّه بكل توقير وبعّد حاله من كل تحقير ، واختار له كل ما يقع عليه الاختيار ، وخوّله ما يطول به الافتخار ، فجعل ذاته خيرة الإنس ، وصفوة الأنبياء ، وسيّد الأموات والأحياء ، والامّة التي انتضاه منها خير امّة ، والأئمة الذين استخلفهم بعده خير أئمة ، وكتابه الذي
هامش
( 1 ) يقال : أصاب خصله وأحرز خصله : غلب على الرهان ، وقال بعضهم : الخصلة : الإصابة في الرمي .
( 2 ) الشبه والشبه : النحاس الأصفر .
( 3 ) الشبّ : حجر معروف يشبه الزاج ، وقد يدبغ به الجلود .
( 4 ) يقال : فذلك حسابه : أنهاه وفرغ منه .
( 5 ) الحلقوم : الحلق ، وقال الزجّاج : الحلقوم بعد الفم وهو موضع النفس وفيه شعب تتشعب منه ، وهو مجرى الطعام والشراب .
( 6 ) الغلصمة : رأس الحلقوم بشواربه وحرقدته ، وهو الموضع الناتئ في الحلق ، والجمع : الغلاصم ، وقيل :
الغلصمة : اللحم الذي بين الرأس والعنق . وقيل : متّصل الحلقوم بالحلق إذا ازدرد الآكل لقمته فزلّت عن الحلقوم ، وقيل : هي العجرة التي على ملتقى اللهاة والمري .