هذا قوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
« 1 » وقوله تعالى :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
« 2 » فهذه أحرف قليلة تحتها فوائد غزيرة ، ونكت كثيرة ، فهذا نوع من المساواة .
وثانيهما : أن يكون المقصود المساواة من غير تحرّ ولا طلب اختصار ، ويسمّى ( المتعارف ) .
والوجهان محمودان في البلاغة جميعا ، خلا أنّ الأول أدلّ على البلاغة وأقوى على تحصيل المراد ، ولهذا فإنّك ترى أهل البلاغة متفاوتين في ذلك ، فأعظمهم قدرا فيها من كان يمكنه تأدية مقصوده في أخصر لفظ وأقلّه ، وهذا لا يكون إلّا لمن كان له موقع فيها بحيث يمكنه التقصير والاختصار في لفظ قليل ، ولنقتصر على هذا القدر من العلوم المعنوية ، ففيه كفاية للمطلوب .
القسم الثاني ما يتعلّق بالعلوم البيانية :
وهو في مصطلح أرباب هذه الصناعة عبارة عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة وبالنقصان عنها ، ومثاله أنّك إذا أردت أن تحكي عن زيد بأنه شجاع فبالطريق اللغوية أن تقول : زيد شجاع يشبه الأسد في شجاعته ، وإذا أردت الإتيان بهذا المعنى على طريق البلاغة فإنك تقول فيه :
رأيت الأسد ، وكأنّ زيدا الأسد ، فالأول هو الاستعارة ، والثاني على طريق التشبيه ، فعلم البيان إنما يكون متناولا للدلالة الثانية ، لأنّ فيها تحصيل الزيادة والنقصان في المعنى المقصود وفائدته الاحتراز عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه ، فصارت الدلائل ثلاثا : دلالة المطابقة ، وهي الدلالة اللغوية ،
هامش
( 1 ) الرحمن : 60 .
( 2 ) سبأ : 17 .