وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ . فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها
« 1 » .
لأنّها لمّا قالت : « هل أدلكم . . . » قالوا : نعم ، فدلّتهم على امرأة فجيء بها ، وهي امّه ، ولم يعلموا بها ، فأرضعته ، فكان قوله : « فرددناه . . . » تعقيبا على ذلك المحذوف ودليلا عليه .
وممّا يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصّة سليمان ( عليه السّلام ) مع الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس :
قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ . اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
« 2 » .
تقديره : فأخذ الكتاب ، وذهب به ، فلمّا ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت . . .
قال : ومن الإيجاز بحذف الجمل ما يعسر تقدير المحذوف منه ، بخلاف ما جاء في القرآن الكريم ، ألا ترى أنّ الآيات المذكورة كلها إذا تأمّلتها وجدت معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّرنا الحذف فيها ، انتظاما لظاهر نظم الكلام ، على أنّ تقدير تلك المحذوفات سهل ببديهة النظر « 3 » .
أنحاء الإيجاز بحذف الجمل وهي أربعة ضروب
الجمل المقدّرة حذفها قد تكون مستقلّة بالإفادة وتامّة ، وأخرى غير تامّة كجملة الشرط أو الجزاء ونحو ذلك . والقسم الأول خاصّ بالقرآن ، وهو أدلّ على حسن الاختصار ، قال ابن الأثير « 4 » : وهذا أحسن المحذوفات جميعها ، ولا تكاد تجده إلّا في كتاب اللّه العزيز الحميد ، وسائر الكلام خلو منه البتة ، فكان
هامش
( 1 ) القصص : 12 و 13 .
( 2 ) النمل : 27 - 29 .
( 3 ) المثل السائر : ج 2 ص 291 .
( 4 ) المثل السائر : ج 2 ص 280 .