المعنى بدونه ، وفي نفس الوقت يستثمر من تلك البقية الباقية ما يؤدّي المعنى كاملا ، في وضوح وطلاوة وعذوبة ، حتى يخيّل إليك من سهولة المسلك أنّ لفظه أوسع من المعنى قليلا .
وإذا ما طلبت سرّ ذلك رأيته قد أودع معنى تلك الكلمات المحذوفة أو الجمل المطويّة ، في كلمة هنا وحرف هناك ، ثمّ أدار الأسلوب إدارة عجيبة ، وأمرّ عليها جندرة البيان « 1 » بيد صنّاعة ، فأحكم بها خلقه وسوّاه ، ثمّ نفخ فيه من روحه ، فإذا هو مصقول أملس ، وإذا هو نيّر مشرق ، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف أو طيّ ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء ، إلّا بعد تأمّل وفحص دقيق .
انظر إلى قوله تعالى :
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 2 » وردت الآية بشأن أولئك المجرمين ، ممّن كان يتجاسر بموقف الرسول ويتهكّم به ، قائلا متمسخرا :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 3 » وقد قال تعالى بشأنهم :
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ
« 4 » .
وقال :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
« 5 »
هامش
( 1 ) يقال : جندر الكتاب بمعنى امرّ القلم على ما درس منه ( النبأ العظيم : ص 131 ) .
( 2 ) يونس : 11 .
( 3 ) الأنفال : 32 .
( 4 ) يونس : 46 .
( 5 ) يونس : 51 .