ومثّلوا له بقوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ
« 1 » .
فقوله :
وَلَنْ تَفْعَلُوا
استدراك جميل ، وتيئيس لطيف ، وتبكيت قاطع ، فللّه درّه من التفات بديع .
قال قدامة بن جعفر الكاتب « 2 » : أراد تعالى أن يضمّن آية التحدّي ضربا آخر من الإعجاز بأخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد ، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسان نبيّه ، حتى إذا وقع كان علما على صدقه ، فردّ المكذّبين ، وثبّت المؤمنين ، فقال : « ولن تفعلوا » قبل أن يتمّ الكلام الأول .
وكان يمكنه تأخير هذه الجملة . . . لكن لهذا التقديم تأثير بليغ في النظم ، يجعل له في القلوب من الجلالة والتفخيم والرونق ما لا يعبّر عنه . ولا يعرف لذلك سبب ظاهر إلّا وقوع تجنيس الازدواج بقوله :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
نظير قوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
« 3 » . لكنه في المعنى كان لهذا التقديم سبب أقوى ، هي زيادة علم من أعلام النبوّة ، كانت مراعاته أولى على الموعظة بقوله :
فَاتَّقُوا النَّارَ
« 4 » ونظيره قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
« 5 » .
فقوله :
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
جملة معترضة أفادت تذكيرا بملازمة التقوى التي هي خير لباس الصلاح ، ثم يعود الكلام إلى ما قبله .
قال قدامة بن جعفر : لمّا امتنّ سبحانه على البشر بما أنزل عليهم من
هامش
( 1 ) البقرة : 24 .
( 2 ) توفي سنة 337 كان يضرب به المثل في البلاغة .
( 3 ) البقرة : 194 .
( 4 ) بديع القرآن : ص 43 .
( 5 ) الأعراف : 26 .