فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب « 1 » .
ومن الاستعارة المجرّدة قوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
« 2 » استعير اللباس لما يبدو على الجوع الخوف من الضرّ والبؤس ، ورثاثة الهيأة وانتقاع اللون وما شابه ذلك ، وكانت استعارة اللباس بالنظر إلى شمول حالة الذلّ والمسكنة لهم ، لتكون الاستعارة ذات فائدة معنوية بديعة ، لا لمجرّد التوسعة في الكلام .
قال التفتازاني : وإنما لم يقل : « طعم الجوع . . . » وإن لاءم الإذاقة ، فهو مفوّت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أنّ الجوع والخوف عمّ أثرهما جميع البدن عموم الملابس « 3 » ثم اقترنت هذه الاستعارة بما يلائم المستعار له ، فقال : « فأذاقها » ، ولم يقل :
« فكساها » - حتى يكون ترشيحا وهو أبلغ من التجريد - لأنّ الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس ، دون العكس ، وفي الإذاقة إشعار بشدّة الإصابة والتأليم . وهذا هو السرّ في العدول من الترشيح إلى التجريد .
ومن الترشيح قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
« 4 » استعير الاشتراء لمطلق الاستبدال والاختيار ، ثم فرع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة .
5 - تكنية وتخييل :
قد يضمر التشبيه في النفس ، فلا يذكر سوى المشبّه ، على خلاف سائر
هامش
( 1 ) مفتاح العلوم : ص 183 .
( 2 ) النحل : 112 .
( 3 ) المطوّل : ص 378 .
( 4 ) البقرة : 16 .