ويبيّن أنّ الآلهة الذين يعبدون من دون اللّه ، لا يسمعون ولا يجيبون ، لأنهم لا يعون ولا يتبيّنون ، وأنّ دعاء عبّادهم لهم عبث لا طائل وراءه ، فيختار صورة تبيّن هذا المعنى ، وتجسّم هذه الحالة :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
« 1 » هكذا ينعق الكفّار بما لا يسمع ، وينادون ما لا يفهم ، فلا يصل إليه من أصواتهم إلّا دعاء مبهم ونداء لا يفهم . فهؤلاء الآلهة لا يميزون بين الأصوات ولا يفهمون مراميها . وهذا مثل ، ولكنه صورة شاخصة . صورة جماعة يدعون آلهة تصل إليها أصواتهم مبهمة ، فلا تفهم ممّا وراءها شيئا ، وفيها تتجلّى غفلة الداعين وعبث دعوتهم ، بجانب غفلة المدعوّين واستحالة إجابتهم .
ويريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة ، أو الأولياء من دون اللّه عامة ، ووهن الملجأ الذي يلجأ إليه عبّادهم حين يحتمون بحمايتهم ، فيرسم لهذا كله صورة مزدوجة :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
« 2 » .
فهم عناكب ضئيلة واهنة ، تأوى من حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيوت العنكبوت أوهن وأضأل ،
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
ولكنّهم لا يعلمون حتى هذه البديهة المنظورة ، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن الجهل والغفلة ، حتى ليعجزون عن إدراك البديهيّ المنظور .
ويريد أن يبيّن أنّ الذي يشرك باللّه لا منبت له ولا جذور ، ولا بقاء له
هامش
( 1 ) البقرة : 171 .
( 2 ) العنكبوت : 41 .