الموضع ، وما أوقع جرسها المدوّي المخوف ، المتناسب مع أهوال يوم القيامة ، المتطاير شرّها كالبركان الثائر المتقاذف شرارته ، لا يسلم منها قريب ولا بعيد .
وزاده رعبا وهولا تكراره بوجه آخر كان أخوف :
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً
« 1 » . كأنه الضيغم الضاري عبس في وجه فريسته عبوسا شديدا ، ولعلّه من طول جوعه وضمور بطنه ، فكان أشدّ رعبا - وهو سبع جائع يقصدك لا عن هوادة - من بركان ، لا قصد له ولا عزم . والتخلص منه ممكن ، لأنه لا يتبعك .
وتقرأ :
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ
« 2 » فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلّها ، وفي جرس « ليبطّئنّ » خاصّة . وإن اللسان ليكاد يتعثّر ، وهو يتخبّط فيها حتى يصل ببطء إلى نهايتها .
وتتلو حكاية قول هود :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ
« 3 » . فتحسّ أنّ كلمة « أنلزمكموها » تصوّر جوّ الإكراه ، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق ، وشدّ بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدّون إليه وهم منه نافرون .
قال سيد قطب : وهكذا يبدو لون من التناسق - تناسق جرس اللفظ مع نوعية المعنى - أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية ، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن « 4 » .
هامش
( 1 ) الإنسان : 10 .
( 2 ) النساء : 72 .
( 3 ) هود : 28 .
( 4 ) التصوير الفني : ص 72 .