ويتعاطاها بانشراح صدر ، وقد تضمن ذلك قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
« 1 »
وقول النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) « اعلموا فكل ميسر لما خلق له » « 2 » .
فلما رئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الاتيان بمثله ، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا الهيا يصرفهم عن ذلك . وأي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه ، ومجبرة في الباطن عن ذلك . وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام :
فإن نك أهملنا فأضعف بسعينا * وإن نك اجبرنا ففيم نتعتع
واللّه ولي التوفيق والعصمة « 3 »
6 - رأي الإمام الرازي :
ولأبي عبد اللّه محمد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي ( توفي سنة 606 ) المفسّر المتكلّم الأصولي الكبير ، رأي في إعجاز القرآن طريف ، وهو جمعه بين أمور شتّى ، كانت تستدعي هبوطا في فصاحة الكلام ، لو كان أحد من البشر حاول القيام بها أجمع ، لولا أنّ القرآن كلام اللّه الخارق لمألوف الناس ، فقد جمع بين أفنان الكلام ، ومع ذلك فقد بلغ الغاية في الفصاحة ، وتسنّم الذروة من البلاغة ، وهذا أمر عجيب ! قال : اعلم أنّ كونه ( القرآن ) معجزا يمكن بيانه من طريقين :
الأوّل أن يقال : إنّ هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إمّا أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء ، أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر
هامش
( 1 ) المائدة : 48 .
( 2 ) مسند أحمد ج 4 ص 67 .
( 3 ) عن مقدمته على التفسير : 104 - 109 .