ورابعها : أنّ كلّ من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأوّل : وفي القرآن التكرار الكثير ، ومع ذلك ، كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا .
وخامسها : أنّه اقتصر على ايجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة .
وسادسها : أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس : يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل . وشعر النابغة عند الخوف . وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر . وشعر زهير عند الرغبة والرجاء . وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ ، فإنّه يضعف كلامه في غير ذلك الفنّ . أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحا في كلّ الفنون على غاية الفصاحة :
ألا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
« 1 » وقال تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 2 » .
وقال في الترهيب :
أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ
« 3 » .
وقال :
أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ . أَمْ أَمِنْتُمْ
« 4 » .
وقال :
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
- إلى قوله -
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
« 5 » .
وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر ، وهو قوله :
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ
- إلى قوله -
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
« 6 » .
وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه :
أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ
« 7 » .
وقال في الإلهيّات :
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ
« 8 » .
هامش
( 1 ) السجدة : 17 .
( 2 ) الزخرف : 71 .
( 3 ) الإسراء : 68 .
( 4 ) الملك : 16 - 17 .
( 5 ) إبراهيم : 15 - 17 .
( 6 ) العنكبوت : 40 .
( 7 ) الشعراء : 205 .
( 8 ) الرعد : 8 .