والثاني : أن المعجز : هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموت وإبداع الأجسام .
فأما ما كان نوعه مقدورا ، فمحلّه محل الأفضل وما كان من باب الأفضل في النوع فإنه لا يحسم نسبة ما دونه إليه . وإن تباعدت النسبية حتى صارت جزء من ألف ، فإن النجار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزا إذا استطاع غيره جنس فعله ، فنقول وباللّه التوفيق :
إن الإعجاز في القرآن على وجهين : أحدهما : إعجاز متعلق بفصاحته ، والثاني : بصرف الناس عن معارضته .
فأما الإعجاز المتعلّق : بالفصاحة : فليس يتعلّق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ، وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
« 1 » وقال :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
« 2 » تنبيها أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام .
ولا يتعلّق أيضا بمعانيه ، فإن كثيرا منها موجود في ( الكتب المتقدمة ) ولذلك قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
« 3 » وقال :
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
« 4 » . وما هو معجز فيه من جهة المعنى ، كالإخبار بالغيب ، فاعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن ، بل هو لكونه خبرا بالغيب ، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره ، وسواء كان موردا بالفارسية أو بالعربية أو بلغة أخرى ، أو بإشارة أو بعبارة .
فإذا بالنظم المخصوص صار القرآن قرآنا ، كما أنه بالنظم المخصوص صار الشعر شعرا ، والخطبة خطبة .
فالنظم صورة القرآن ، واللفظ والمعنى عنصره ، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره ، كالخاتم والقرط والخلخال اختلفت أحكامها وأسماؤها
هامش
( 1 ) يوسف : 2 .
( 2 ) البقرة : 1 - 2 .
( 3 ) الشعراء : 196 .
( 4 ) طه : 133 .