ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المحتجبة ، وكذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ ، وضرب لذلك مثلا بآية
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . .
« 1 » وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان ، وهما مرجعا البلاغة ، ومن جهتي الفصاحة المعنويّة واللفظيّة وأسهب في الكلام عن ذلك ، وقال - أخيرا - : وللّه درّ التنزيل ، لا يتأمّل العالم آية من آياته ، إلّا أدرك لطائف لا تسع الحصر « 2 » .
وغرضه من ذلك : أنّ لحدّ الإعجاز ذروة لا يبلغها الوصف ، ولكن يمكن فهمها ودرك سنامها ، بسبب الإحاطة بأسرار هذين العلمين ، فهي حقيقة تدرك ولا توصف .
5 - رأي الراغب الأصفهاني :
لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ( توفي سنة 502 ) صاحب كتاب المفردات ، رأي في إعجاز القرآن يخصّه ، أنّه يرى من الإعجاز قائما بسبكه الخاصّ الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك ، فلا هو نثر كنثرهم المعهود ، لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم . ولا هو شعر ، لأنّه لم يجر مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصيّة الشعر ، من التأثير في النفس بلحنه الشعريّ النغميّ الغريب .
قال - بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفا - :
وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزا ، فليس بمقنع إلّا بتبيين فصلين :
أحدهما : أن يبين ما الذي هو معجز : اللفظ أم المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة .
هامش
( 1 ) هود : 44 وسنذكرها في ج 5 ص 76 .
( 2 ) مفتاح العلوم : ص 196 - 199 .