وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
« 1 » .
وقال :
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
« 2 » .
والقول فيهما محمول على « كاد » . هكذا ذكر الحذّاق من المفسرين . مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابّة ، خوفا على نفسها من الهلكة ، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات . . . « 3 » .
قلت : فعلى هذا كان كلامه وصفا للماء لا للضفادع ، وعلى أيّ حال فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربيّة حينذاك ، وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته وتمثيلاته . . وهل تناسب بين قول زهير في هذا البيت ، والآيتين الكريمتين . . . ؟ ! ! وإنّما يتفاخم الكلام ويتصاغر ، بضخم موضوعه وصغره ، وعلو مقصوده وسفله . الأمر الذي نجده فرقا بيّنا بين مقصود الآيتين ومقصود زهير في البيت ، بل بين القرآن كلّه وأشعار العرب الجاهلي كلّها . ! قال الأصمعي : وأخطأ زهير في قوله - في ذم الحرب والقتال - :
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم * كأحمر عاد ، ثمّ ترضع فتفطم « 4 »
حيث شبّه الغلمان المشائيم بعاقر ناقة صالح ، الموصوف بالأحمر ، واسمه قدار . لكن نسبه إلى عاد ، وهو خطأ ، وإنّما هو ثمود .
واعتذر عنه بأنّ ثمود هي عاد الثانية ، كما جاء في قوله تعالى :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
« 5 » .
فهل قال تعالى هذا إلّا وثمّ عاد أخرى ؟ وهي هلكت بالنمل ، من ولد قحطان . .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 46 .
( 2 ) الأحزاب : 10 .
( 3 ) العمدة : ج 2 ص 251 .
( 4 ) أشأم : مبالغة المشئوم . وأراد بأحمر عاد : أحمر ثمود ، وهو عاقر الناقة ، واسمه قدار بن سالف يقول :
فتولد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كلّ واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة . . .
( 5 ) النجم : 50 .