وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 1 » . . . نظر بعضهم إلى بعض حيارى مذهولين . . فقد يئسوا ممّا طمعوا فيه وعرفوا أنّه ليس بكلام مخلوق . . « 2 » .
وبذلك تبيّن أن لا موضع لقوله : « جميع ما شهد به الفصحاء فواقع موقعه ، إذ لا تنكر مزيّة القرآن على غيره ، وإنّما هي ليست ممّا تخرق العادة ! » إذ شهادتهم إنّما كانت بكونه فوق مستوى البشر ، وأنّه ليس من كلام المخلوقين ، وكفى به دليلا على كونه معجزا خارقا للعادة ، إذ لا يقصد من الإعجاز سوى كونه فوق مقدور الإنسان ، هذا لا غير ! قوله : والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل . .
ولعلّه على العكس فإنّ التفاضل في النظم والأسلوب شيء معروف ، وبذلك قد فاق شعر شاعر عتيد على شعر شاعر جديد ، وكان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ والقصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئين المتكلّفين ، وكان الأسلوب هو الذي أشال بهؤلاء وأطاح بهؤلاء ! قال أبو عثمان الجاحظ : أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنّه أفرغ إفراغا واحدا ، وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان .
قال ابن رشيق : وإذ كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سمعه ، وخفّ محتمله ، وقرب فهمه ، وعذب النطق به ، وحلى في فم سامعه .
فإذا كان متنافرا متباينا عسر حفظه ، وثقل على اللسان النطق به ، ومجّته المسامع فلم يستقرّ فيها منه شيء « 3 » .
وأنشد الجاحظ :
هامش
( 1 ) هود : 44 .
( 2 ) العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 211 ، ومجمع البيان : ج 5 ص 165 .
( 3 ) العمدة لابن رشيق : ج 1 ص 257 .