ثانيا : لكان ينبغي أن يتعجّبوا من أنفسهم هذا التحوّل المفاجئ لهم ، بالأمس كانوا قادرين واليوم أصبحوا عاجزين . فلم يكن موضع إعجاب بالقرآن الكريم ، ولا أن تبهرهم روعته ، في بديع نظمه وعجيب رصفه . . .
وأنّ شهادتهم برشاقة أسلوبه وأناقة سبكه وتأليفه ، فضلا عن فخامة معانيه ورصانة مبانيه لأعظم دليل على سموّ وشموخ لمسوه في جوهر القرآن ووجدوه في ذاته ، لا شيء سواه . . .
ثالثا : لا مباهاة مع مسلوب القدرة ، هو والميت سواء ، ولا تحدّى مع الأموات ، قلّوا أم كثروا فإنّ كثرتهم لا تجدي شيئا بعد كونه من ضمّ الحجر إلى المدر ، ولا حراك في الجماد .
ومن ثمّ فمن المستغرب ما زعمه ابن حزم من قياس ما هنا بمسألة الجبر وسلب الاختيار
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » ! فقد ذهب عنه أن لا علاقة بين المسألتين ولا تناسب بين المفهومين : المباهاة وسلب الاختيار ! أمّا السيّد وأصحابه ، وكذا النظّام - في احتمال - فلم ينكروا اعتلاء جانب القرآن بما فاق سائر الكلام ، إمّا في فصاحته البالغة ، كما ذكره السيّد . أو لاشتماله على الأمور الغيبيّة ، كما ذكره النظّام . . . وإنّما عجز القوم عن مماثلته ، لفقدهم العلوم التي كان يمكنهم بذلك مقابلته ، ولعلّ البشريّة أجمع تعوزه تلك القدرة المحيطة على جمع الامتيازات المشتمل عليها القرآن الكريم . وقد نبّهنا ذلك مسبقا .
وبعد . . . فإليك موجز أهمّ كلمات الأعلام في المقام .
كلمة أبي جعفر الطوسي :
وأوّل من ردّ على المرتضى قوله بالصرفة ، هو تلميذه الأكبر أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه ( الاقتصاد ) معتذرا لنصرته السيّد في ( شرح الجمل ) بأنّه حيث شرح كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه ! قال :
هامش
( 1 ) الأنبياء : 23 .