تلك اللمسات الهائلة . . كلّ لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود . . تنزل فإذا كلّ شيء صمت . . سكون ، هدوء ، وقد كفّت الطبيعة عن الغضب ووصلت القصة إلى ختامها :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ .
إنّك لتشعر بشيء غير بشريّ تماما في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة المنحوتة من صخر صوان ، وكأن كلّ خرف فيها جبل الألب . لا يمكنك أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بأخرى ، أو تؤلّف جملة مكان جملة ، تعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة . . وحاول وجرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر ، أن تغيّر حرفا أو تستبدل كلمة بكلمة ! ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة ! ولم يكن مستغربا من جاهلي مثل الوليد بن المغيرة ، عاش ومات على كفره أن يذهل ، وأن لا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن ، برغم كفره فيقول ، وقد اعتبره من كلام محمد :
« واللّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه يعلو ولا يعلى عليه » .
ولمّا طلبوا منه أن يسبّه قال : « قولوا ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته » .
إنّه السحر حتى على لسان العدوّ الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها .
وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول ، فالسبب هو التعوّد والألفة والمعايشة منذ الطفولة والبلادة والاغراق في عاميّة مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا . ثم أسلوب الأداء الرتيب الممل الذي نسمعه من مرتّلين محترفين يكرّرون السور من أوّلها إلى آخرها بنبرة واحدة