لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البشرى من موقف العبرة . نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات .
وبالمثل بعض المشايخ ممّن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أي ينبض شيء في قلبه . . ثم المناسبات الكثيرة التي يقرأ القرآن فيها روتينيّا . . . ثم الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل وتوزّع الانتباه وتحجّر القلب وتعقدت النفوس وصدئت الأرواح .
وبرغم هذا كلّه فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ، ويرتدّ فيها طفلا بكرا وترتدّ له نفسه على شفّافيّتها ، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن . .
وكفيلة بأن توقفه مذهولا من جديد بعد قرابة ألف وأربعمائة سنة من نزول هذه الآيات وكأنّها تنزل عليه لساعتها وتوّها .
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلا ولا بديلا في أيّة لغة :
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً
« 1 » . هذه الكلمة « تغشّاها » . . . تغشاها رجلها . . أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين ، هو ذروة في التعبير .
وألفاظ أخرى تقرؤها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداء وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 2 » . . هذه الحروف الأربعة « عسعس » هي الليل مصوّرا بكل ما فيه .
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
أنّ ضوء الفجر هنا مرئي ومسموع . . أنّك تكاد تسمع
هامش
( 1 ) الأعراف : 189 .
( 2 ) التكوير : 17 - 18 .