موضع ، وتابعة لقصر الفواصل وطولها ، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة ، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة . . . فإننا نؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر كلّها مجتمعة .
جاء في القرآن الكريم
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
« 1 » وجاء فيه حكاية عن كفار العرب :
بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ
« 2 » .
وصدق القرآن الكريم ، فليس هذا النسق شعرا . ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين ولا جاهلين بخصائص الشعر ، يوم قالوا عن هذا النسق العالي : إنّه شعر ! لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع ؛ وسحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر ، وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل . وتلك خصائص الشعر الأساسية ، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل .
على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا . فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة ، فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة . وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر ، الموسيقى الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل ؛ والتقفية التي تغني عن القوافي ، وضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا ، فشأن النثر والنظم جميعا « 3 » وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه ، يبرز بروزا واضحا في السور القصار ، والفواصل السريعة ، ومواضع التصوير
هامش
( 1 ) يس : 69 .
( 2 ) الأنبياء : 5 .
( 3 ) يقول الدكتور طه حسين : إنّ القرآن ليس شعرا وليس نثرا . إنّما هو قرآن ! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات ، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي . ولكنّه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرّد .