إذن لا تلازم بين وجود الإبهام والتشابه معا ، وعليه فتفترق موارد الحاجة إلى التفسير عن موارد الاحتياج إلى التأويل . فالتفسير هو كشف القناع عن اللفظ المشكل أي المبهم ، سواء أكان متشابها أم لم يكن . والتأويل هو إرجاع الكلام إلى أحد محتملاته العقلانية ، ولو كان - في ظاهره - واضح المدلول .
* * * ولتوضيح ما بين المتشابه والمبهم من فرق ، نذكر من عوامل التشابه التي تختلف تماما عن عوامل الإبهام .
يعود الفرق بين تشابه الآية وإبهامها إلى ما بين عوامل الأمرين من اختلاف ، حيث من أهمّ عوامل التشابه هو دقّة المعنى وسموّ مستواه عن المستوى العام ، مضافا إلى رقّة التعبير وجزالة الأداء ، كما في قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 1 » إذ لا يخفى لطف هذا التعبير الرقيق ، عن مفهوم هو من أدقّ المفاهيم الإسلامية في الأمر بين الأمرين
« لا جبر ولا تفويض »
. ومن ثمّ خفى على غالبيّة الناس إدراك حقيقته الأصيلة ، من
هامش
القدّوسي في هذا الإنسان ، الذي يحمل في طيّات وجوده مؤهلات واستعدادات خارقة ، من تدبير وابداع وخلّاقية وصنع وايجاد ، وقدرة الاستيلاء والسلطة على كافة انحاء الوجود . وفوق ذلك فإنه يملك قدرة التعقّل والتفكير والاستنباط والاستنتاج ، وهي غاية الكمال . . . ومن ثم لما خلقه اللّه بارك لنفسهفَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَلأنه خلق أحسن المخلوقين . .
واما التعليم فكان فطريّا ارتكازيّا ، حيث الانسان بفطرته صالح لفهم الحقائق ودرك الأشياء . .
الأمر الذي يخصّ ماهيّة هذا الموجود ، وانما أفاض اللّه عليه الوجود . . .
والأسماء هي سمات الأشياء كلها أي حقائقها . . فقد منح الإنسان معرفة حقائق الأمور وخاصياتها وسماتها ، بفضل جهده وتدبره في سبيل الوصول إلى كنه الموجودات . وليس المراد هي الأسامي ، إذ لا فضل في معرفتها . . .
والسجود كان سجود طاعة لا سجود عبادة ، - كما في الأثر - فقد وكّلت جميع القوى العاملة في الكون لتكون في خدمة الانسان ورهن ارادته حيث شاء عبر الوجود . . . وسيوافيك التفصيل في التفسير ان شاء اللّه .
( 1 ) الأنفال : 17 .