ولا يخفى الفرق بين المتشابه المحتاج إلى التأويل ، والمبهم المفتقر إلى التفسير ، حيث لا تشابه في الأخير ولا هو موضع ريب ولا شبهة ، وإنّما أحاطت بالآية هالة من الإبهام لأسباب نذكرها ، فيعمد المفسّر إلى إزاحة ذلك الغبار ورفع ذلك الستار .
ومن ثمّ قد تجتمع في الآية مواضع من الإبهام ، إلى جنب مواضع التشابه معا ، وقد تختص بأحد الأمرين دون الآخر ، نظير الأمرين اللذين بينهما نسبة العموم من وجه ، حسب المصطلح .
فممّا اجتمع فيه الأمران ( مواضع التشابه والابهام معا ) قوله تعالى
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
« 1 » .
أمّا التشابه فمن جهة نسبة الهداية والاضلال اليه تعالى مجده ، وأمّا الإبهام فمن جهة كيفيّة حصول ذلك الانشراح وذلك التضايق في المهتدي والضال ، ثمّ كيف وجه التشبيه بمحاولة الصعود إلى السماء ؟ وستأتي الإجابة على كل هذه الأسئلة . . « 2 » .
وقد لا يكون في الآية المتشابهة موضع إبهام ، حسب ظاهرها اللفظي ، وإنما جاءها التشابه من قبل سموّ المعنى وعلوّ المستوى . ومن ثمّ قد تزعم العامّة وضوح معناها في توغّلها في الإبهام المعنوي بالنسبة إلى أولئك العوام ، كقوله
هامش
( 1 ) الأنعام : 125 .
( 2 ) وملخّص الإجابة على الجهة الأولى : ان الهداية هنا بمعنى التوفيق وهو تمهيد الأسباب نحو الخير ، ولا يكون ذلك إلّا لمن استهدى واستقام على الهدى . والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا . . .
والاضلال معناه الخذلان ، فلما زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم . وذلك مغبّة اصرارهم على الغيّ والعناد . . . وسيأتي ذلك في مبحث الهداية والاضلال .
وامّا الجهة الثانية : فالتشبيه إنما وقع باعتبار ان المحاول للتصعّد في طبقات الجوّ ، تتضايق أنفاسه ، على اثر هبوط ضغط الهواء من خارج جسمه ، فلا يتعادل مع صعود ضغط الدم من داخل جسمه . .
فأول ما يحسّ به الصاعد في أعالي الجوّ ، هو تضايق نفسه ثم نفث الدم من منافذ بدنه . . .
وسيأتي ذلك في مباحث الاعجاز ، القسم العلمي ، في فصول قادمة ان شاء اللّه .