تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
انظر إلى هذه الآية الكريمة :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
« 1 » ربّما لم تكن العرب تخطر ببالها إرادة الرؤية بالعين ، كما قال الزمخشري : سمعت مستجدية بمكّة ، بعد ما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة ، تقول : عيينتي نويظرة إلى اللّه وإليكم « 2 » . ولم يختلج ببال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق إلى اللّه سبحانه ، وإنّما كان قصدها الانقطاع إليه وتوقّع فضله ورحمته تعالى . وهكذا في الآية الكريمة نظرا إلى موقعية الحصر فيها . لكن الأشاعرة وأذنابهم من مشبهة ومجسمة جمدوا على ظاهر الآية البدائي وأصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتين العينين اللتين في الوجه « 3 » . وهكذا لما سمعت العرب قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
« 4 » ربما لم تفهم منه سوى استقلاله تعالى بملكوت السماوات والأرض وتدبيره لشؤون هذا العالم ، نظير قول شاعرهم :
ثم استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
وقال آخر :
فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر
لكن الأشاعرة ومن ورائهم سائر أهل التشبيه ، أبوا إلّا تفسيره بالاستقرار على العرش جلوسا متربعا فوق السماوات العلى ، وقد ينزل إلى السّماء الدنيا ليطلع على شؤون خلقه فيغفر لهم ويجيب دعاءهم ، إذ لا يمكنه ذلك وهو متربع على كرسيه فوق السماوات « 5 » .
هامش
( 1 ) القيامة : 22 - 23 . ( 2 ) راجع : الكشاف ، ذيل الآية ، وأساس البلاغة : مادة « نظر » . ( 3 ) راجع : الإبانة لأبي الحسن الأشعري : ص 11 ، ط حيدرآباد الدكن . ( 4 ) يونس : 3 . ( 5 ) راجع : الإبانة : ص 35 فما بعد . ورسالة الرد على الجهمية للدارمي : ص 13 فما بعد .
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 24 | الشيخ محمد هادي معرفة