وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
« 1 » .
وإنّما أسند تعالى الختم إلى نفسه ، في حين أنّهم في آية أخرى جعلوه من ذات أنفسهم « قلوبنا في أكنة » ، لأنّه تعالى باقداره لهم على فعل كلّ من الطاعة والعصيان ، تمهيدا لصحة التكليف والاختبار ، فقد مكنهم على هذا الجموح وتلك المقاومة تجاه الحق .
وأيضا فإنّ خذلانه تعالى لهم ومنعهم شمول لطفه الخاص ، على اثر استكبارهم عن قبول الهدى ، جعله تعالى كأنّه هو الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة . قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ . وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً . فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
« 2 » . فقد جاء في هذه الآية الختم والغشاء تفسيرا لاضلاله تعالى الذي هو خذلان وترك لهم في ظلمات لا يبصرون . قال تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
« 3 » . والآيات يفسر بعضها بعضا .
وأخيرا فلو كان اللّه هو ختم على قلوبهم فلا يؤمنون إلّا قليلا ، فما هو السبب المبرر لتوجيه الملامة إليهم وذلك الاستنكار في قوله تعالى :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 4 » . وقوله :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
« 5 » . إلى غيرهما من آيات ؟ ! 5 -
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
« 6 » يعني : كفرا وشكّا . وذلك يدلّ على أنّه تعالى يخلق الشك والكفر في قلوب الكافرين والمنافقين .
والجواب : انّ المقصود بالمرض في الآية هو الانحراف والميل إلى الفساد ، كما أنّ الجسم إذا انحرف عن استقامته في الصحة كان مريضا ، كذلك الروح إذا
هامش
( 1 ) البقرة : 88 .
( 2 ) الجاثية : 33 .
( 3 ) الكهف : 28 .
( 4 ) الانشقاق : 20 .
( 5 ) الاسراء : 94 .
( 6 ) البقرة : 10 .