كلّف الأمر . فلمّا نزلت عليه سورة النجم ، فجعل يتلوها حتى إذا بلغ :
« أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى »
« 1 » ألقى عليه الشيطان : « تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى » « 2 » فحسبها وحيا ، فقرأها على ملأ من قريش ، ثم مضى وقرأ بقيّة السورة . حتى إذا أكملها سجد وسجد المسلمون ، وسجد المشركون أيضا ، تقديرا بما وافقهم محمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في تعظيم آلهتهم ورجاء شفاعتهم . وطار هذا النبأ حتى بلغ مهاجري الحبشة ، فجعلوا يرجعون إلى بلدهم مكة . فرحين بهذا التوافق المفاجئ . كما فرح النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) أيضا بتحقيق أمنيته القديمة على ائتلاف قومه .
ويقال : إنّ شيطانا أبيض هو الذي تمثّل للنبيّ في صورة جبرئيل وألقى عليه تينك الكلمتين .
ويقال : كان النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) يصلّي عند المقام إذ نعس نعسة فجرت على لسانه هاتان الكلمتان من غير شعور بهما .
ويقال : النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) هو الذي تكلّم بهما من تلقاء نفسه حرصا على ائتلاف قلوب المشركين . ثم ندم من فعله هذا الذي كان افتراء على اللّه ! ويقال : إنّ الشيطان أجبره على النطق بهذا الكلام . . . الخ .
ثم لمّا أمسى الليل أتاه جبرائيل ، فقال له : اعرض عليّ السورة . فجعل النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) يقرأها عليه حتى إذا بلغ الكلمتين قال جبرائيل :
مه ، من أين جئت بهاتين الكلمتين فتندّم رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وقال :
لقد افتريت على اللّه ، وقلت على اللّه ما لم يقل ؟ ! فحزن حزنا شديدا ، وخاف من اللّه خوفا كبيرا .
هامش
( 1 ) النجم : 19 - 20 .
( 2 ) الغرانيق : جمع الغرنوق . وهو الشاب الناعم الأبيض . وفي الأصل : اسم لطير الماء ( مالك الحزين ) وهو تشبيه آلهة المشركين بطيور بيض متحلّقة في أجواء السماء ، كناية عن قربهم من اللّه .