قال الأزهري : الوحي هنا : إلقاء اللّه في قلبها . قال : وما بعد هذا يدلّ - واللّه أعلم - على أنّه وحي من اللّه على جهة الإعلام ، للضمان لها « إنّا رادّوه إليك » .
وقيل : إنّ معنى الوحي هنا : الإلهام . قال : وجائز أن يلقي اللّه في قلبها أنّه مردود إليها وإنّه يكون مرسلا . ولكن الإعلام أبين في معنى الوحي هنا « 1 » .
والشيخ المفيد - قدّس سرّه - أخذ الوحي هنا بمعنى الإعلام الخفي ، في كتابه « أوائل المقالات » . لكنه في كتابه « تصحيح الاعتقاد » جعله بمعنى رؤيا أو كلام سمعته امّ موسى في المنام . وقال - بصدد إيضاح معنى الوحي - : أصل الوحي هو الكلام الخفي ، ثمّ قد يطلق على كلّ شيء قصد به إفهام المخاطب على السرّ له عن غيره « 2 » .
وأمّا التعبير بالوحي عن وسواس الشيطان وتسويله خواطر الشرّ والفساد ، فجاء في قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
« 3 » . وقال :
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ »
« 4 » ويفسّره قوله :
« مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ »
« 5 » .
كما جاء التعبير عمّا يلقيه اللّه إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم ، بالوحي أيضا في قوله تعالى :
« إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا »
« 6 » .
وأمّا التعبير بالوحي عمّا يلقيه اللّه إلى نبيّ من أنبيائه بواسطة ملك أو بغير واسطة لأجل تبليغ رسالة اللّه ، فهو معنى رابع استعمله القرآن وهو موضوع بحثنا
هامش
( 1 ) لسان العرب : ج 15 ص 380 .
( 2 ) راجع أوائل المقالات : ص 39 ، وتصحيح الاعتقاد : ص 56 .
( 3 ) الانعام : 112 .
( 4 ) الانعام : 121 .
( 5 ) الناس : 4 - 6 .
( 6 ) الأنفال : 12 .