ولعل هذا التعميم في مفهوم الوحي - عند ابن فارس - كان في أصل وضعه ، غير أنّ الاستعمال جاء فيما كان خفيّا :
قال أبو إسحاق : أصل الوحي في اللغة كلّها : إعلام في خفاء ، ولذلك سمي الإلهام وحيا .
وقال ابن بري : وحى إليه وأوحى : كلّمه بكلام يخفيه من غيره . ووحي وأوحى : أومأ . قال الشاعر :
فأوحت إلينا والأنامل رسلها « 1 » .
أي أشارت بأناملها .
ولعلّ الخفاء في مفهوم الوحي جاء من قبل اعتبار السرعة فيه ، فالإيماءة السريعة تخفى - طبعا - على غير المومى إليه . يقال : موت وحيّ أي سريع . ومنه « الوحا الوحا » أي البدار البدار ، يقال ذلك عند الاستعجال ومنه الحديث :
« وإن كانت خيرا فتوحه » أي أسرع إليه . قال ابن الأثير : والهاء للسكت « 2 » .
قال الزمخشري : أوحى إليه وأومى بمعنى . ووحيت إليه وأوحيت : إذا كلّمته بما تخفيه عن غيره . وتوحّى أي أسرع ، قال الأعشى :
مثل ريح المسك ذاك ريحها * صبّها الساقي إذا قيل : توح « 3 »
الوحي في القرآن : واستعمله القرآن في أربعة معان :
1 - نفس المعنى اللغوي :
الإيماءة الخفيّة . وقد مرّ في آية مريم .
2 - تركيز غريزيّ فطريّ ،
وهو تكوين طبيعيّ مجعول في جبلّة الأشياء ، استعارة من إعلام قوليّ لإعلام ذاتي ، بجامع الخفاء في كيفيّة الإلقاء والتلقّي ، فبما أن الوحي إعلام سرّي ، ناسب استعارته لكلّ شعور باطنيّ فطريّ . ومنه
هامش
( 1 ) لسان العرب : ج 15 ص 380 .
( 2 ) النهاية : ج 5 ص 163 .
( 3 ) أساس البلاغة : ج 2 ص 496 .