قال ابن حجر : فكان عمر قد فهم من هذه الآية ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب ، من أنّ « أو » ليست للتخيير ، بل للتسوية ، في عدم الوصف المذكور . .
قال : وفهم عمر أيضا من قوله تعالى :
« سَبْعِينَ مَرَّةً »
أنّها للمبالغة ، وأنّ العدد المعيّن لا مفهوم له ، بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار ، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار ، فأطلقه . .
وفهم أيضا أنّ المقصود الأعظم من الصلاة على الميّت طلب المغفرة للميّت والشفاعة له ، فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة . . قال :
ولهذه الأمور استنكر على النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) إرادة الصلاة على عبد اللّه بن ابيّ . . .
قال : هذا تقرير ما صدر عن عمر ، مع ما عرف من شدّة صلابته في الدين . . . ! « 1 » .
يا للعجب من عقليّة ابن حجر ، كيف يتصوّر من عمر عملاقا في فهم قضايا الدين والوقوف على مزايا اللغة ، ممّا غفل عنه مثل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) الذي هو مبلّغ الشريعة وأفصح من نطق بالضاد ؟ ! أمثل من لا يعرف الأبّ من القتّ « 2 » ويجهل الكثير من الآداب والسنن « 3 » يقوم بتأنيب ناموس الشريعة وصميم العربيّة الفصحاء ؟ ! إن هذا إلّا وهم ناشئ عن عصبيّة عمياء أعاذنا اللّه منها ! * * *
هامش
( 1 ) فتح الباري : ج 8 ص 252 .
( 2 ) أخرج الطبري في التفسير : ج 30 ص 38 عن أنس قال : قرأ عمر سورة عبس ، فلمّا أتى على هذه الآية« وَفاكِهَةً وَأَبًّا »قال : عرفنا الفاكهة فما الأبّ ؟ . . ثم قال : انّ هذا لهو التكلّف ! . وأورده ابن كثير في تفسيره : ج 4 ص 473 وصحّحه . . . ثمّ تعجّب من عدم فهم عمر معنى الأبّ ، لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم لقوله تعالى بعد ذلك« مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » *فالأبّ علف الدوابّ كالقتّ .
( 3 ) راجع نوادر الأثر في علم عمر : ( الغدير : ج 6 ص 83 ) .