تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وفي قوله سبحانه :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
[ الآية 19 ] استعارة . والمراد بها أن النار ، نعوذ باللّه منها ، تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الأبدان ، حتى لا يسلم منها عضو من أعضائهم ، ولا يغيب عنها شيء من أجسادهم . وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك ، واللّه أعلم ، أن سرابيل القطران التي ذكرها سبحانه ، فقال :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
[ إبراهيم : 50 ] إذا لبسوها واشتعلت النار فيها صارت كأنها ثياب من نار ، لإحاطتها بهم واشتمالها عليهم . وفي قوله سبحانه :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) استعارة . لأن المراد بها ذهول القلب عن التفكّر في الأدلّة التي تؤدي إلى العلم . وذلك في مقابلة قوله تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) [ النجم ] فإذا وصف القلب عند تبيين الأشياء بالرؤية والإبصار ، جاز أن يوصف عند الغفلة والذهول بالعمى والضلال . وإنما جعلت القلوب هاهنا بمنزلة العيون ، لأن بالقلوب يكون تحصيل المعلومات ، كما أن بالعيون يكون إدراك المرئيات . ولأن الرؤية ترد في كلامهم بمعنى العلم . ألا تراهم يقولون : هذا الشيء مني بمرأى ومسمع . أي بحيث أعرفه وأعلمه ، ولا يريدون بذلك نظر العين ، ولا سمع الأذن . وفي قوله سبحانه :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
معنى عجيب ، وسر لطيف . وذلك أنه سبحانه لم يرد نفي العمى عن الأبصار جملة . وكيف يكون ذلك وما يعرض من عمى كثير منها أشهر من أن نؤمي إليه ، وندل عليه ؟ وإنما المراد ، واللّه أعلم ، أن الأبصار إذا كانت معها آلة الرؤية من سلامة الأحداق ، واتصال الشعاعات لم يجز أن لا ترى ما لا مانع لها من رؤيته . والقلوب بخلاف هذه الصفة بها ، قد يكون فيها آلة التفكر والنظر من سلامة البنية ، وصحة الروية وزوال الموانع العارضة ، ثم هي مع ذلك لاهية عن النظر ، ومتشاغلة عن التفكر . فلذلك أفردها اللّه سبحانه بصفة العمى عن الأبصار على الوجه الذي بيّناه مع الفائدة . فأما الفائدة في قوله سبحانه :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) ،
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 37 | جعفر شرف الدين