تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
يجيبونهم عن سؤال ، إذا قد أبهموا طريقي السماع والجواب ، وهما الآذان والأفواه . وشاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح عليه السلام ، يعني قومه :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
( 7 ) [ نوح ] فيكون معنى رد أيديهم في أفواههم على القول الذي قلنا ، أن يمسكوا أفواههم بأكفهم ، كما يفعل المظهر الامتناع عن الكلام . ويكون إنما ذكر تعالى ردّ الأيدي هاهنا - وهو يفيد فعل الشيء ثانيا بعد أن فعل أوّلا - لأنهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل عليهم السلام . فوصفوا في هذه الآية بما قد سبق لهم مثله ، وألف منهم فعله ، فحسن ذكر الأيدي بالرد على الوجه الذي أومأنا إليه . وأيضا فقد يقول القائل لغيره : أردد إليك يدك . بمعنى اقبضها وكفّها . لا يريد غير ذلك . وقوله سبحانه :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
( 14 ) . وهذه استعارة . لأن المقام لا يضاف إلّا إلى من يجوز عليه القيام . وذلك مستحيل على اللّه سبحانه ، فإذن المراد به يوم القيامة ، لأن الناس يقومون فيه للحساب ، وعرض الأعمال على الثواب والعقاب ، فقال سبحانه في صفة ذلك اليوم :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 6 ) [ المطفّفين ] . وإنما أضاف تعالى هذا المقام إلى نفسه في هذا الموضع ، وفي قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
( 46 ) [ الرحمن ] لأن الحكم في ذلك اليوم له خالصا ، لا يشاركه فيه حكم حاكم ، ولا يحادّه أمر آمر . وقد يجوز أن يكون المقام هاهنا معنى آخر ، وهو أن العرب تسمي المجامع التي تجتمع فيها لتدارس مفاخرها ، وتذاكر مآثرها « مقامات » و « مقاوم » . فيجوز أن يكون المراد بالمقام هاهنا الموضع الذي يقصّ فيه سبحانه على بريّته محاسن أعمالهم ، ومقابح أفعالهم ، لاستحقاق ثوابه وعقابه ، واستيجاب رحمته وعذابه . وقد يقولون : هذا مقام فلان ومقامته ، على هذا الوجه ، وإن لم يكن الإنسان المذكور في ذلك المكان قائما ، بل كان قاعدا أو مضطجعا . ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ