تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
لعذاب الآخرة . والعذاب إنما يقع بالآلات المستعظمة والأعيان المستفظعة ، مثل مقامع الحديد ، والحجارة المحماة بالجحيم . فوصف سبحانه العذاب الغليظ ، لأنه واقع بالأشياء الغليظة ، والآلات الثقيلة ، فيكون ذلك مجازا من هذا الوجه . وممّا يقوّي أن المراد بقوله تعالى :
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
( 58 ) عذاب الآخرة ، قوله تعالى في الآية نفسها :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
[ الآية 58 ] وهذه النجاة من عذاب الدنيا . ثم قال تعالى :
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
فدلّ على أن النجاة من العذاب الأول غير النجاة من العذاب الآخر . وأن الأول عذاب الدنيا ، والثاني عذاب الآخرة ، لأن العطف بالواو يقضي بذلك ، وإلّا كان وجه الكلام : فلمّا جاء أمرنا نجّينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا من عذاب غليظ ، ولم يكن لقوله تعالى :
وَنَجَّيْناهُمْ
ثانيا معنى ؛ وهو محال . وقوله سبحانه حاكيا عن لوط عليه السلام :
قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
( 80 ) وهذه استعارة والمراد بها : لو كنت آوي إلى كثرة من قومي ، وعدد من أهلي . وجعلهم ركنا له ، لأن الإنسان يلجأ إلى قبيلته ، ويستند إلى أعوانه ومنعته ، كما يستند إلى ركن البناء الرصين ، والنضد الأمين « 1 » . وجاء جواب « لو » هاهنا محذوفا . والمعنى : لو أنني على هذه الصفة لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد وأردتموه من ذنوب فحشاء . والحذف هاهنا أبلغ ، لأنه يوهم المتوعّد بعظيم الجزاء ، وبغليظ النكال ، ويصرف وهمه إلى ضروب العقاب ، ولا يقف به عند جنس من أجناس المخوفات المتوقّعات . وليس مخرج هذا الكلام من لوط عليه السلام ، على ما ظنّه من لا معرفة له ، وقدح فيه بأن قال : ألم يكن يأوي إلى اللّه سبحانه ؟ فما معنى القول الذي قاله ؟ وذلك أن لوطا على ما ذكرنا إنّما أراد الأعوان من قومه ، والأركان المستند إليهم من قبيلته ، وهو يعلم أن له من معونة اللّه سبحانه أشد الأركان ،
هامش
( 1 ) . النّضد من الجبل : ما تراكم منه . والجمع أنضاد .