ثمّ يهوّن من حجة السماء في نفوس الناس ، وكانوا عندها يملكون أن يقولوا باطلا ما حرص القرآن على ألا يقولوه : من أن هذا الذي جاء به الرسول أخذه من أسفار سابقة .
وهذه التي تبينها السلف من قبل فأذعنوا لها عن وعى وبصر - وأعنى بها أمية الرسول - أراد أن يثيرها نفر من الخلف من بعد ليخرجوا على حجة السماء عن غير وعى ولا بصر .
غير أننا نفيد من هذا الذي يريد الخلف أن يثيروه تأكيد المعنى الذي قدمناه من أن حجة السماء تجىء أشمل ما تكون بشكوك العقول ، محيطة بكل ما يصدر عنهم فيها ، يستوى في ذلك أولهم وآخرهم .
وقد ننسى مع هؤلاء المخالفين الطاعنين تقرير القرآن الصادق عن أمية محمد والأدلة القائمة في ظل القرآن على ذلك ، قد ننسى هذا وذاك لنسائلهم : أي جديد يفيدهم هذا - إن صح - وقد مضى على رسالة محمد ما يقرب من أربعة عشر قرنا خطا فيها العلم والبحث خطوات سريعة وما وجدنا شيئا ينال من هذه الرسالة من قرب أو من بعد ، جهر به أو أسر من يريدون أن يجعلوا محمدا قارئا كاتبا ، وأن يجعلوا من هذا سببا إلى أنه نقل عن أسفار سابقة .
ولقد كان نزول الوحي في السابع عشر من رمضان ، من السنة الحادية والأربعين من ميلاد الرسول ، وأن قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ
يشير إلى ذلك ، فالتقاء الجمعين - أعنى المسلمين والمشركين ببدر - كان في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وفي مثلها من السنة الحادية والأربعين من مولده كان ابتداء نزول الفرقان .
ينضم إلى هذه الآية قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
[ البقرة : 85 ] .