وراءها شيء وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا فكذبوها وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب ففي ذلك تقول الزرقاء لجديس تحذرهم :
إني أرى شجرا من خلفها بشر * فكيف يجتمع الأشجار والبشر
سيروا بأجمعكم في وجه أولهم * فإن ذلك منكم فاعلموا الظفر
فلم يسمعوا لها وهجم عليهم الملك حسان فأفناهم وشتت شملهم . فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة وكانت أول من اكتحل بمسحوق حجر الإثمد فاتخذوه بعد ذلك كحلا .
* *
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الرابعة . . المعنى ألا يخطر ببال هؤلاء المطففين أنهم سيحيون بعد الموت وسيحاسبون على مقدار الذرة والخردلة . . وقيل : الظن في الآية الكريمة بمعنى : اليقين وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف . وعلى ذكر « الظن » قيل في أمثال العرب : أصدق ظنا من ألمعي . والألمعي : هو الذي يظن الظن فلا يخطئ . . وهو من لمعان النار وتوقدها . .
وعرفه أوس بن حجر أي عرف الألمعي نظما في هذا البيت :
الألمعي الذي يظن بك ال * ظن كأن قد رأى وقد سمعا
ومثله « اللوذعي » وهو الصادق الظن . . الجيد الحدس . . وهو مشتق من لذع النار . . ومثله أيضا : الأريحي : وهو الذي يرتاح للكرم . والعبقري : وهو الحاذق الجيد الصنعة في صنعته والنحرير : وهو ذو العلم والرجاحة والفضل والحذق - أي المهارة - وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : « لم تكن أمة إلا كان فيها محدث فإن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر .
قيل : وما المحدث ؟ قال : الذي يرى الرأي ويظن الظن فيكون كما رأى وكما ظن وكان عمر - رضي الله عنه - كذلك .
* *
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
: هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة السابعة وفيه ردع للمتلاعبين بالأوزان عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر الحساب . . و « سجين » هو سجل الكفرة أي إن ما يكتب من أعمال الفجار مثبت في ديوان الشر الذي دون فيه الله تعالى أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الثقلين - الجن والإنس - وسمي « سجينا » على وزن « فعيل » لأنه من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم أو لأنه مطروح - كما روي - تحت الأرض السابعة في مكان موحش مظلم وهو مسكن إبليس وذريته استهانة به وليشهده الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقربون .
و « سجين » اسم علم منقول من وصف كحاتم وهو منصرف - أي ينون آخره - لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف . وكما أن « سجينا » هو علم لديوان أعمال الكفار فتقابله كلمة « سجيل » وهو علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار في قوله تعالى في سورة « الفيل » :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
( 1 )
أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
( 2 )
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ
( 3 )
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
( 4 )
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
صدق الله العظيم . واشتقاق اللفظة من الإسجال وهو الإرسال لأن العذاب موصوف بذلك . وعن ابن عباس : من سجيل : من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر . وقيل : من شديد عذابه . و « السجن » و « الحبس » مصدرا الفعلين : سجن و « حبس » يقال : حبسه - يحبسه - حبسا - من باب « ضرب » بمعنى : وقفه