السر يبقي الوجوه المذكورة على ما هي عليه أو يسقط منها شيئا ويخلفه . وجاء في مصباح الفيومي : يعني بهم أتباع موسى - عليه السلام - وكانوا ستمائة ألف فجعلوا قليلين بالنسبة إلى أتباع فرعون . والكلمة « الشرذمة » هي في الأصل : الجمع القليل من الناس وهنا جاءت للجمع الكثير ولكنه كان قليلا إلى من هو أكثر منهم .
* *
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ :
هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة السادسة والخمسين وكلمة « حاذرون » جمع « حاذر » وهو اسم فاعل . . وفعله « حذر » من باب « تعب » ومصدره : حذرا - بفتح الحاء والذال ومثله « احتذر واحترز . . » وكلها بمعنى : استعد وتأهب فهو حاذر وحذر - بكسر الذال . .
والاسم منه « الحذر » بفتح الحاء والذال وبكسر الحاء وسكون الذال بمعنى : التحرز والتيقظ . وقال الجوهري : الحاذرون : هم المتأهبون . . والحذرون : هم الخائفون . وقيل :
يقال : حذر الرجل الشيء : إذا خافه . . فالشيء محذور - اسم مفعول - أي مخوف ويتعدى المشدد إلى مفعولين . . نحو : حذرته الشيء فحذره وقيل : حذرون - بكسر الذال بمعنى :
خائفون مأخوذة من « الحذر » بفتح الحاء والذال أي الخوف . . وهؤلاء رجال حاذرون : أي متأهبون متيقظون مأخوذة من « الحذر » بكسر الحاء وتسكين الذال أي الأهبة .
* *
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ :
هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الحادية والستين . . وتراءى : بمعنى رأى كل من الجمعين الآخر ويقال : فلان يتراءى : أي ينظر إلى وجهه في المرآة ويقال : ارتآه نحو ارتأى الشيء . . وهو بصيغة افتعل . . من الرأي والتدبير أي نظر في الأمر وتدبره ومن اشتقاقاته : الرئاء وهو التظاهر بخير دون حقيقة . .
يقال : فعل ذلك رئاء : أي تظاهرا بخلاف ما في بطنه فهو مراء - اسم فاعل - و « الرياء » هو أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فيثنى عليه بالصلاح . . وعن بعضهم أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها فقال ما أحسن هذا لو كان في بيتك . وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة . على أن اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص . . ومن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود » و « المسح » بكسر الميم هو البساط من شعر ونهى الله تعالى الرياء وذم المراءين في قوله عزّ من قائل في سورة « الماعون » :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ
أي لا يركعون الصلاة إلا مراءين . . أي يصلون من غير خشوع وطاعة ولا يجتنبون ما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف ولا ما قرأ من السور . وقيل : الصلاة : هي عماد الدين . . والرياء : هو شعبة من الشرك . . والزكاة : هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام .
* *
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ :
هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الثالثة والستين . بمعنى فانشق البحر فكان كل قسم منه كالجبل العظيم . يقال :
فلقت الشيء - أفلقه - فلقا : بمعنى : شققته . . من باب « ضرب » فانفلق وتفلق الشيء أي تشقق وقالت العرب في أمثالها : أشهر من فلق الصبح - بفتح الفاء واللام . . ويجوز أن يكون « الفلق » هنا فعلا في معنى « مفعول » كأنه مفلوق الصبح . والأصل : من الصبح المفلوق الذي الله فالقه وإن جعل « الفلق » الصبح نفسه . قال تعالى :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
أي برب الصبح . وقيل : يعني الخلق . . ويقال : إن « الفلق » هو اسم واد في جهنم .