وقوله تعالى :
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
« 1 » .
وهناك نوع آخر من الفواصل القرآنية بحاجة إلى نوع من الفكر ، وسيجد الفكر فيه ضالته وكلا النوعين من مظاهر الإعجاز وآيات البيان ، ومثال هذا النوع قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
« 2 » .
فلما تحدثت الآية الأولى عن الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم ، وهو أن يتقوه ويعبدوه ، وتلك قضية خاصة بكل فرد ، ترجع إلى ما في قلبه وإلى باطنه ، ولذا ختمت
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
« 3 » .
أما الآية الثانية فقد أمر اللّه سبحانه فيها المؤمنين بالعدل مع أعدائهم وتلك قضية ظاهرة يطلع عليها الناس ، ولذا ختمت بقوله :
خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
« 4 » .
وسأنقض شبههم على بعض الآيات فقد زعم بعض المستشرقين أن الفاصلة القرآنية :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
أو
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
لا علاقة بينها وبين ما قبلها ، وأنها وضعت فقط لتتميم السجع والقافية « 4 » .
فلا يوجد منصف وعاقل يدعي أن هذه الفاصلة غير متصلة بما قبلها ، أو أن أي فاصلة يمكن أن تصلح بدل هذه الفاصلة . فاللّه سبحانه يخاطب المؤمنين وقد كتب عليهم القتال والجهاد ويبين أن أمر المستقبل لا يدركونه هم ، فربما يكرهون شيئا يكون فيه خيرهم ، وربما يحبون شيئا تكون نهايته شرا لهم ووبالا
هامش
( 1 ) سورة القصص : ( 77 ) .
( 2 ) سورة المائدة : ( 7 - 8 ) .
( 3 ) قضايا قرآنية ص 87 .
( 4 ) قضايا قرآنية ص 74 .