تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6162

مساهمون:

ص٦١٦٢
سَماواتٍ طِباقاً
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
أي : فاوت بينهما في الاستنارة ، فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة ؛ ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها ، وقدر القمر منازل وبروجا ، وفاوت نوره فتارة يزداد حتى يتناهى ، ثم يشرع في النقص حتى يستسر ليدل على مضي الشهور والأعوام كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
. وقال الألوسي : ( ولعل في تشبيهها ( أي : الشمس ) بالسراج القائم لا بطريق الانعكاس رمزا إلى أن ضياءها ليس منعكسا إليها من كوكب آخر ، كما أن نور القمر منعكس عليه من الشمس ) . أقول : هذه نماذج في التفسير تبين تأثر المفسرين بثقافات عصرهم ، التي قد تقرب أو تبعد من الصواب ، والذي أراه في فهم الآية : أن الشمس والقمر والكواكب السيارة كلها في جوف السماء الدنيا ، وأن السماء الدنيا واحدة من سبع سماوات ، وأن هذه السماوات السبع مغيبة عنا ، فهي من عالم الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به دون أن نراه ، وهذا موضوع يحتاج إلى تحقيق واسع ، وهذا ما عندي فيه ، والملاحظ أن نوحا عليه السلام خاطب قومه بقوله :
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
مما يشير إلى أنه كان في حكم البديهة عندهم وجود سماوات سبع ، والدارس لحضارات وادي الرافدين يعلم أن لأهل الوادي في حضاراتهم المتعاقبة ولعا في الفلك والسماء والنجوم ، وأن للرقم ( سبعة ) محلا خاصا في فلسفتهم ولا زال صابئة العراق الآن وهم من بقايا دين قديم هناك يربطون بين كثير من عقائدهم وبين النجوم . 5 - بمناسبة قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
قال صاحب الظلال : ( والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح . وهو يكرر في القرآن في صور شتى . كقوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
. وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات . كما يقرن نشأة الإنسان بنشأة النبات في مواضع متفرقة : ففي سورة الحج يجمع بينهما في آية واحدة في صدد البرهنة على حقيقة البعث فيقول :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ