وصاح ، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل ، وينهره ويضربه ؛ ليقهر الفيل على دخول الحرم ، وطال الفصل في ذلك ، هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة فيهم المطعم ابن عدي وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومسعود بن عمرو الثقفي على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون ؟ وما ذا يلقون من أمر الفيل ؟ وهو العجب العجاب ، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرا أبابيل أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام وأرجلها حمر ، ومع كل طائر ثلاثة أحجار ، وجاءت فحلقت عليهم فهلكوا . وقال محمد بن إسحاق جاءوا بفيلين فأما محمود فربض ، وأما الآخر فشجع فحصب . وقال وهب بن منبه : كان معهم فيلة فأما محمود وهو فيل الملك فربض ليقتدي به بقية الفيلة ، وكان فيها فيل تشجع فحصب ، فهربت بقية الفيلة وقال عطاء بن ياسر وغيره : ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة ، بل منهم من هلك سريعا ، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون ، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم .
وقال ابن إسحاق : فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون . وذكر مقاتل بن سليمان أن قريشا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم ، وما كان معهم ، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة . قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رأيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي به مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعثر ذلك العام ، وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد .
قال ابن إسحاق : فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه .
قال ابن هشام : الأبابيل الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة . قال : وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب ) .
وقد علق صاحب الظلال تعليقات مطولة على بعض الاتجاهات الخاطئة في تفسير سورة الفيل ومن كلامه :