تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6646

مساهمون:

ص٦٦٤٦
أقول : يمكن أن يكون المراد بالخير في هذا السياق ما هو أعم من المال . من ما يدخل في كل ما يعتبره الإنسان خيرا لنفسه . قال ابن كثير : ثم قال تبارك وتعالى مزهدا في الدنيا ، ومرغبا في الآخرة ، ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ
أي : أفلا يعلم الإنسان إذا بعث من في القبور من الموتى ، وقال ابن كثير : أي : أخرج ما فيها من الأموات
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
قال النسفي : أي ميز ما فيها من الخير والشر . قال ابن عباس وغيره : يعني : أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم
إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
قال النسفي : أي : لعالم ، فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر . وخص ( يومئذ ) بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان ، لأن الجزاء يقع يومئذ ، وقال ابن كثير : أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ، ولا يظلم مثقال ذرة .

كلمة في السياق :

انصب السياق على ذكر طبيعة الإنسان فهو كنود ويحب المال والمنافع الدنيوية ، وذكرت السورة علاج هاتين الصفتين ، وذلك يكون بتذكر البعث ، وما يكون فيه من تحصيل ما في الأنفس ، وعلم الله عزّ وجل بها ، إن هذا التذكر هو الذي يحرر الإنسان من كنوده ، وحبه الشديد للمال حتى لا يلقى الله عزّ وجل بأمراضه المخجلة تلك ، فإذا علم الإنسان ذلك تحرر من الكفر ، وأقبل على الإيمان والصلاة والإنفاق ، واتباع كتاب الله عزّ وجل ، فلا صارف يصرف عن هذه الأشياء مثل جحود نعم الله عزّ وجل ومحبة الدنيا ، ومن هذا الذي ذكرناه ندرك سياق السورة الخاص ، وصلتها بمحورها أي : بمقدمة سورة البقرة ، فالسورة تحرر الإنسان مما يمنعه من التحقق بصفات المتقين ، إن الجحود لنعم الله عزّ وجل ينتج عن الكفران الذي لا يرافقه اعتراف ولا عبودية ، ومن ثم فلا إيمان ولا صلاة ولا اتباع كتاب . وإن حب المال ينتج عنه حجب الحقوق ، وعدم الإنفاق وينتج عنه ، قبول الفتنة في أمر الإسلام . وإن ما بين قوله تعالى في هذه السورة :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . .
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
. وبين قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
لصلة ، فمن الصوارف التي تصرف الإنسان عن قبول الإنذار شحه وحبه للدنيا .