تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6396

مساهمون:

ص٦٣٩٦
نزول هذه الآية ندرك نقطة رئيسية في القضية التي حيرت الكثير ، وهي ارتباط المشيئة البشرية بالمشيئة الإلهية . والخلاصة في هذا الموضوع : إن كل شئ بمشيئة الله عزّ وجل ، وهذا لا يتنافى مع اختيار الإنسان ، كما رأينا في أكثر من مكان ، فإذا أضل الله أضل عدلا ، وإذا هدى يهدي فضلا ، ولولا أن كل شئ بمشيئة الله عزّ وجل لكان الله عزّ وجل مقهورا بالمعصية ، وهذا لا يكون ، ومن ثم كان كل شئ بمشيئته ، وهذا لا يعني الإجبار ، فقد علم وأراد ، وأبرز بقدرته ، والعلم كاشف لا مجبر ، علم ما ذا سيفعل فلان فأراده فأبرزه بقدرته .

كلمة في السياق :

1 - هناك صلة بين العبادة ومعرفة أن التوفيق بيد الله عزّ وجل : ولذلك نقول في كل صلاة
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وهناك صلة بين العمل والاستقامة وفي الحديث : « قل آمنت بالله ثم استقم » فهناك صلة إذن بين قوله تعالى في المقطع :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . .
وبين قوله تعالى في المحور :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
. 2 - جاءت في المقطع ثلاثة أقسام ( جمع قسم ) على قوله تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
فالأقسام مؤكدة ، والآية فيها تأكيدان ( إن ) ( واللام ) فخمسة مؤكدات تنصب على أن هذا القرآن من عند الله ، وذلك - في العادة - يكون إذا كان المخاطب عنده شك ، ومن هنا ندرك العلاقة بين هذه الآيات وآيات المحور :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
فالآيات تؤكد أن هذا القرآن من عند الله ، وتلاحق الريب :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
وهناك قراءة بالظاء
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
أي : بمتهم ، فالمقطع بين أن الثقة بهذا القرآن ينبغي ألا يكون لها حدود ، فجبريل الأمين هو الذي نقله عن الله عزّ وجل لمحمد الأمين ، غير المتهم على الوحي ، وغير البخيل به . فالسورة بمجموعها هيجت على العبادة والتقوى والاستقامة ، ومعرفة الله عزّ وجل ، والعمل الصالح ، وذكرت الشيئين الأساسيين اللذين ينبثق عنهما هذا كله : مجىء يوم القيامة ، والثقة بهذا القرآن .