المقدرة لعمر هذه الحياة على هذه الأرض !
ووصل في إدراك التناسق بين عدد كبير من الضوابط التي تضبط الحياة ؛ وتنسق بين الأحياء والظروف المحيطة بها ؛ وبين بعضها وبعض . . . إلى حد يعطي فكرة عن تلك الحقيقة العميقة الكبيرة التي تشير إليها الآية . فالنسبة بين عوامل الحياة والبقاء ، وعوامل الموت والفناء في البيئة وفي طبيعة الأحياء محفوظة دائما بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها . وفي الوقت ذاته يحد من انتشارها إلى الحد الذي لا تكفي الظروف المهيأة للأحياء - في وقت ما - لإعالتهم وإعاشتهم !
ولعله من المفيد أن نشير إشارة سريعة إلى شئ من هذا التوازن في علاقات بعض الأحياء ببعض . إذ كنا قد أشرنا بشيء من التفصيل في سور أخرى إلى التناسق في بناء الكون ، وفي ظروف الأرض .
( إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد ، لأنها قليلة البيض ، قليلة التفريخ ، فضلا على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة . وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار . ولو كانت مع عمرها الطويل ، كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن ، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها . أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان . وللقيام بأدوارها الأخرى ، ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض !
بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مقلات نزور
وذلك للحكمة التي قدرها الله كما رأينا ، كي تتعادل عوامل البقاء وعوامل الفناء بين الجوارح والبغاث !
والذبابة تبيض ملائين البويضات . ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين . ولو كانت تعيش بضعة أعوام ، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه ؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس - وأولها الإنسان - مستحيلة على وجه هذه الأرض . ولكن عجلة التوازن التي لا تختل ، في يد القدرة التي تدبر هذا الكون ، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر ، فكان هذا الذي نراه !
والميكروبات - وهي أكثر الأحياء عددا ، وأسرعها تكاثرا ، وأشدها فتكا - وهي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمرا - تموت بملايين الملايين من